خطيبى 2 رومانى مكرم
**الجزء الثالث**
مرت ليلة البارحة ثقيلة كالجبل. لم تذق أمي غمض جفن، وكانت تتنهد بين الحين والآخر وهي تنظر إلى الكراتين والأكياس التي تملأ صالة الشقة، كأنها تحاكي تعبها الذي ذهب أدراج الرياح. أما أنا، فكان ينتابني مزيج غريب من ألم الفراق وارتياح شديد، حسيت كأن طوقاً ألمسياً من الحديد كان يلتف حول رقبتي وانقطع فجأة.
في صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة الحادية عشرة صباحاً، امتدت يدٌ على جرس باب شقتنا بدقات متواصلة، هائجة، وبطريقة مستفزة لا تعبر إلا عن غلّ ودناءة. قمت من فراشي بسرعة، وخرجت أمي من المطبخ وهي تضع يدها على قلبها المجهد.
فتحت أمي الباب بوجل، لتفاجأ بـ “طنط سعاد” والدة أحمد تقف على العتبة، ووجهها يحمل تعابير الشراسة والشر، ويقف خلفها أحمد متوارياً كالعادة كطفل صغير يتخفى خلف رداء أمه! لم تنتظر حتى أن نأذن لها بالدخول، بل دفعت الباب بكرشها ودخلت إلى منتصف الصالون وهي تصيح بصوت جليط هز أرجاء البناية:
— إيه القلة الأدب دي؟! إيه الحركات البلطجة اللي عملتوها مع ابني امبارح دي؟! بقى ابن الحاج متولي، سيد الشباب، يترملو الدهب في حجروا ويتردم له الباب في وشه عشان بنتك مش متربية وما بتعرفش الأصول؟!
خرجتُ من غرفتي بكل ثبات، وقفت أمامها مباشرة ونظرت في عينيها المتوسعتين غضباً. لم أعد تلك الفتاة الوديعة التي تخشى غضبها أو ترتعد من نظراتها الشزر. وقلت بنبرة حادة وواثقة:
— الأصول نعرفها كويس يا طنط! والأدب اتعلمناه في بيتنا قبل ما نعرفكم! إنتي داخلة بيتنا تصرخي وتزعقي بصفتك إيه؟ ابنك جالك امبارح وشايل دهبه في إيده، ومظنّش فضل بينّا حاجة تليق بيكم أو بيكم تليق بينا عشان تيجي لحد هنا!
لوحت والدة أحمد بيديها في الهواء، واقتربت مني بصفاقة وهي تنظر إلى كراتين الجهاز المركونة في الصالة بنظرات استخفاف وصياح:
— شوفي البت وبجاحتها! بتتكلمي وكأنك جايبة الذئب من ذيله؟! قال 25 مفرش سرير قال! ده أنا ابن أختي متجوز واحدة جايبة 60 مفرش و50 طقم ملاية، وجايبة شاشة 65 بوصة وثلاجة بابين! إنتي فاكرة نفسك عروسة بإيه؟ بالمفروشات البيئة والكمية العادية دي؟ ابننا كاره القلة، وإحنا ناس قامات في البلد، لما نتجوز ابننا، يتجوز عروسة ترفع راسه مش عروسة تاخد نص الشقة وتملأها حاجات رخيصة!
في هذه اللحظة، خرجت أمي عن صمتها. التفتت أمي إلى سعاد، وعلى وجهها حزن كاسر تحول في ثانية إلى غضب أم جُرِحت في أغلى ما تملك، فقالت بصوت مبحوح ولكنه قوي يخرج من بين ضلوعها:
— بس يا سعاد! لحد هنا والزمي حدودك! إحنا ما طردناش ابنك امبارح من فراغ.. ابنك جه وقف في نص بيتي، قدامي وأنا ست كبيرة، وبيقولي “أمي بتقول دي مش جايبة حاجة وإننا مضحوك علينا”! بقى شقا عمري، وجريي في الشوارع، وعرقي عشان أجهز بنتي بالدم، ييجي ابنك يتأنق عليه؟ إحنا جبنا أغطية وملايات ومفروشات أشكال وألوان بأغلى الأسعار، وجايبين أحسن ماركات الأجهزة، لكن الغل والطمع عماكم!
تدخل أحمد من خلف أمه محاولاً أن يظهر بمظهر القوي، فقال بنبرة تهكمية:
— يا طنط أنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ ما هو فعلاً قليلة! أنا صحابي لما بيسألوني عرايسهم جابوا إيه، ببتكسف أقول الأرقام دي! إنتو كأنكم بتمنوا عليا بالجهاز!
سخرتُ منه بضحكة عالية أربكته وأربكت أمه، وقلت له:
— بتتكسف يا أحمد؟! بتتكسف وأنت مش قادر تفرش شقة ملك؟! بتتكسف وأنت جايب شقة إيجار وصالون مضغوط وتقول عن نفسك عريس؟ أنت مش بتتكسف من جهاز نورهان، أنت بتتكسف من نقصك! أنت وأمك فاكرين الجواز تجارة ومزايدة، فاكرين إن العروسة جاية تستر نقصكم المادي وتكمل شقتكم على حساب صحة أهلها!
صدمت والدة أحمد من كلامي الجريء، واحمرّ وجهها وتلعثمت من المفاجأة، ثم صاحت بصوت أعلى لتداري خيبتها:
— بقى كده؟! ماشاء الله عليكِ وعلى لسانك اللي عايز قطعه! كويس إن ربنا كشفك على حقيقتك قبل ما تدخلي بيتي وتنكدي على ابني! هاتي بقى قائمة المصاريف والفلوس اللي ابني دفعها في العر بون بتاع القاعة وكتب الكتاب والمأذون، وماكيش عندنا مليم واحد من هدايا خطوبتك!
ابتسمتُ ببرود واستفزاز، وذهبت إلى الدرج وسحبت منه مظروفاً ورقياً كبيراً كنت قد أعددته منذ الصباح الباكر. ألقيت المظروف على الطاولة أمامها وقاطعتها بقوة:
— اتفضلي يا طنط! ده المظروف فيه كل فواتير العربونات اللي ابنك دفعها، ومعاها فلوس الهدايا اللي جابهالي في المناسبات بالقرش والدقيقة! إحنا ناس أوفياء وما بناكلش حرام، ولا بنقبل على نفسنا مليم من ناس شايفيننا “مضحوك عليهم”! خدي فلوس ابنك، وخديه في إيدك واطلعي بره بيتنا، لأن البيت ده يدخله رجالة تعرف قيمة الشبع والكرامة، مش ناس بتعد الفوط والملايات!
صدمت المرأة، ونظرت إلى المظروف ثم إلى ابنها أحمد الذي كان ينظر للأرض بقلة حيلة ووجه يشتعل خجلاً. لم يتوقعوا أبداً أن نكون بهذه الحسم والسرعة في رد حقوقهم كاملة دون نقاش أو محاولة لاستعطافهم!
أخذت سعاد المظروف بلمح البصر، وفتحت حقيبتها ودفعت الفلوس فيها، ثم نظرت إليّ بعينين تتطاير منهما الحقد والشر وقالت وهي تتراجع نحو الباب:
— بكرة تقعدي جنب أمك وتخللي! بكرة تشوفي مين هيعبرك ولا يرضى بيكي وبجهازك القليل ده! ابننا ألف مين تتمناه، وغداً هجوزه سيد سيدك، عروسة تجيب جهاز بمليون جنيه وتملأ الشقة من السقف للأرض!
وقف حسام أخي، الذي كان قد دخل الشقة في تلك اللحظة وسحب الباب للداخل ببطء، ونظر لوالدة أحمد بابتسامة ثقة وثبات، وقال لها ناهياً المهزلة:
— ربنا يسعده يا طنط بالعروسة اللي هتجيب أطنان الملايات.. بس بره بيتنا بقى، عشان إحنا بابنا ما بيدخلوش غير العزيز النفس، ومتربي على الشبع. اتفضلي من غير مطرود!
خرجت والدة أحمد وهي تثرثر وتبصق في الممر، وخلفها أحمد يجر خطاه بكسرة وخيبة أمل لا توصف، بعدما أدرك أنه خسِر عروساً أصلية وعائلة محترمة لم تكن تطلب منه سوى التقدير والرجولة.
أُغلق الباب بصوت قوي أعلن نهاية تلك الحقبة السوداء من حياتي. التفتُّ إلى أمي، فوجدتها تنظر إليّ بدموع شرف وفخر، وأقبلت عليّ وجمعتني في أحضانها وهي تقول:
— رفعتِ راسي يا نور.. ربنا يعوضك باللي يعرف قيمتك وينضف قلبك، والحمد لله إن ربنا نجانا من العيشة مع الناس دي.
تبسمتُ وأنا أستند على كتف أخي وأمي، وأحسست لأول مرة منذ أشهر بطعم الحرية والراحة، وعلمت أن كرامة الإنسان لا تُقاس بعدد ملايات السرير ولا بدست الفوط، بل تُقاس بعزة النفس وشرف الكلمة.
**الجزء الرابع والأخير**
مرت الأيام والأسابيع بعد تلك الليلة، وكان الصمت الذي يلف بيتنا هذه المرة صمتاً مريحاً، يشبه الهدوء الذي يعقب العاصفة. أعدنا ترتيب الصالة، وأرجعنا كراتين الجهاز إلى الغرفة المغلقة، دون أن ينتابنا أي شعور بالندم أو الكسرة. بل على العكس، كانت كل قطعة مفارش أو طقم فوط أراه، يذكرني باللحظة التي اخترت فيها كرامتي وعزة نفسي على حساب زيجة تتغذى على الطمع والجشع.
وبعد مرور حوالي ستة أشهر، وصلتنا الأخبار عن طريق إحدى الجارات. خطب أحمد فتاة أخرى، استجابةً لرغبة أمه التي ظلت تبحث له عن عروس تتحدى بنا وتتباهى بها أمام الأقارب. عروس جاءت -كما تمنت سعاد- بأطنان المفروشات والملايات، وعشرات الشاشات والأجهزة، وجهاز يُغطي عين الشمس!
ظنت والدة أحمد أنها فازت بالجولة، وأنها أثبتت للعالم أن ابنها يستحق الأكثر. لكن دوام الحال من المحال.. فبعد الزفاف بأقل من شهرين، بدأت المعركة الحقيقية.
تلك العروس لم تكن مثل نور، ولم تتربَّ على خلق التغاضي والصبر. كانت تعتبر نفسها قد “اشترت” العريس وعائلته بجهازها الهائل، فصارت تتعامل مع أحمد وأمه باستعلاء شديد. كانت تحصي عليهم خطواتهم، وتمنّ عليهم بكل قطعة أثاث أو مفرش أدخلته الشقة. وبدلاً من أن يعيش أحمد في هدوء واستقرار، تحول بيته إلى ساحة حرب يومية مع زوجته وأمه، وأدرك -بعد فوات الأوان- أن أطنان المفروشات لا تشتري راحة البال، وأن كثرة الملايات لا تغطي عورة رجل سلب أمه حريته وشخصيته.
علمنا لاحقاً أنه حاول لعدة مرات التودد لإخواني ومحاولة معرفة أخباري، ونادم كاشد ما يكون الندم على نورهان التي كانت ترضى بالقليل، وتحترم أهله، وتصون بيته. لكن الباب الذي يُغلق بعزة النفس، لا يُفتح أبداً بصلوات الندم.
أما أنا، فقد فتح الله عليّ في عملي، واستردت أمي صحتها وعافيتها بعدما زال عن صدرها همّ ذلك الجواز الشاق. وبعد عام كامل، تقدم لخطبتي رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ شخص شبعان، أتى بيتنا وهو يشتري “نور” ذاتها، لا يهمّه كم دستة فوط أحضرت، ولا كم مفرش سرير غطى الغرفة. كان كل همّه أن يبني بيتاً أساسه المودة والرحمة والاحترام المتبادل.
في ليلة زفافي، وأنا أرتدي فستاني الأبيض، نظرتُ إلى أمي التي كانت تبكي فرحاً هذه المرة، وقبلت يدها وقلت لها: “شفتي يا أمي؟ كرامتنا هي اللي زوجتني اليوم رفيعة الراس.”
## **الحكمة من القصة**
> **”إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحمله في كراتين جهازه، ولا بعدد المفروشات والأغراض التي يملأ بها بيته، بل تُقاس بعزة نفسه، وكرامته، ومعدنه الأصيل.”**
>
* **البيوت تُبنى على المودة والرحمة:** الزواج ليس صفقة تجارية، ولا مظاهرة للمفاخرة أمام الناس بالأرقام والأشكال. من يزن العروس بعدد الفوط والملايات، سيزنها غداً عند أول أزمة وبيعها بأرخص الثمن.
* **عزة النفس لا تُقدّر بثمن:** أن تجلس الفتاة في بيت أهلها عزيزة مكرمة، خيرٌ لها ألف مرة من أن تدخل بيتاً يُنقص من قدرها وتعب أهلها، ويُعاملها كمجرد ساطور استهلاكي.
* **الطمع يقل ما جمع:** من ينظر إلى ما في أيدي الناس ويتطلع للمزيد بجشع، يبتليه الله بما يخرّب عليه راحته، ولا يذوق طعم القناعة أبداً.
* **الأصل الطيب لا يُعوَّض:** الرجل الحقيقي هو من يشتري شريكة حياته لأخلاقها وأصلها، ويقدر تعب أهلها وظروفهم، ولا يسمح لأحد -حتى لو كان أقرب الناس إليه- أن يقلل من شأنهم أو يطرق باب كرامتهم.