اتجوزت ميكانيكي اسما السيد 3
خرج كريم وسابني في بيت الضيافة مع هانز والحراسة المشددة. كانت الدقائق بتعدي عليا كأنها سنين، عينيا مش مفارقة شاشات المراقبة ولا العد التنازلي اللي شغال على لابتوب كريم. 12 ساعة فقط بتفصلنا عن انهيار الشركة وسقوط المافيا الصناعية اللي بتطاردنا، لكن في نفس الوقت، أرواح أهلي كانت هي الرهينة المربوطة بالعد ده.
هانز كان رايح جاي في الأوضة بيتكلم في التليفون بالعرقسوس والألمانية بصوت واطي، وعلامات التوتر باينة على وشه. قربت منه وقلت بصوت مبحوح من العياط: “كريم فين دلوقتي يا هانز؟ اتصل بيك؟”
هانز بصلي بأسف وهز رأسه: “كريم قفل كل وسائل الاتصال المباشرة عشان محدش يتتبع مكانه. هو استدرجهم لمبنى قديم تابع للشركة المهجورة على أطراف فرانكفورت.. المكان ده معزول تماماً، وهو رايح بقدمه لعرين الأسد.”
في الوقت ده، في المبنى المهجور على أطراف مدينة فرانكفورت…
كان المطر بينزل بغزارة، والبرق بينور الشبابيك المكسورة للمبنى الضخم. كريم كان واقف في نص الصالة الكبيرة، لابس جاكيته الأسود، وشنطة الظهر اللي فيها الصندوق الحديد القديم متعلقة على كتفه.
من الضلمة، خرج ستة أشخاص مدججين بالسلاح، ووراهم ظهر راجل في الخمسينات من عمره، أنيق بزيادة، لابس بالطو أسود وبيمسك في إيده عصا بلمعة فضية. كان هو “فولكر”.. رئيس قسم العمليات الخاصة للشركة، والراجل اللي تلفق لكريم القضايا من أربع سنين.
فولكر ابتسم ابتسامة خبيثة وقال بلغة عربية طليقة: “أهلاً بالباشمهندس كريم.. أو نقول الميكانيكي البسيط؟ طال الاستعراض بتاعك يا كريم. أربع سنين مستخبي في جحر في القاهرة، وفي الآخر جيت لرجلك هنا.”
كريم ما تحركش منه شبر، عيونه كانت جمر مولع. بص لفولكر وقال بصوت أبرد من الثلج: “فين عيلة مراتي يا فولكر؟”
فولكر شاور بإيده، وفي لمحة سريعة، الحراس فتحوا باب جانبي وخرجوا بابا وماما وأختي. أهلي كانوا مرعوبين، أيديهم مربوطة ووشوشهم شاحبة من الصدمة والخوف. أول ما بابا شاف كريم، عينيه اتسعت من الذهول والذهول.
بابا صرخ بصوت بيترعش: “كريم؟! أنت إيه جابك هنا؟ والناس دول مين؟! إحنا اتخطفنا من العمارة في مصر وجابونا هنا بـ طيارة غريبة! في إيه يا ابني؟!”
كريم بص لبابا بنظرة طمأنينة وقال بصوت هادي: “اطمن يا عمي.. طول ما أنا واقف على رجلي، محدش يقدر يمسكم بسوء. أنتم هنا بسببي، وهترجعوا مصر بسببي.”
ماما كانت بتبكي بحرقة وبتقول: “سامحنا يا كريم.. سامحنا يا ابني، إحنا ظلمناك وفاكرينك ميكانيكي غلبان، طلعت شايل الدنيا فوق رأسك!”
فولكر ضحك بصوت عالي وقطع الكلام: “دراما عائلية مؤلفة! كفاية كلام فارغ. هات الشنطة والصندوق اللي معاك يا كريم، واديني الباسورد بتاع السيرفر اللي عليه العد التنازلي، وساعتها أسيبك تخرج أنت والعيلة دي بسلام.”
كريم حط الشنطة على الأرض بالراحة، وركع على ركبة ونص، وفتح السوسته. أخرج الصندوق الحديد القديم اللي الصدأ مغطيه.
فولكر عينيه لمعت بالطمع، وخطا خطوة للقدام: “أيوه.. هو ده التقرير الأصلي بختمك.”
كريم رفع راسه وبص لفولكر بابتسامة ثقة مرعبة وقاله: “أنت فاكر إني جيت هنا عشان أستسلم؟ أو فاكر إن الصندوق ده فيه أوراق بس؟”
فولكر اتسمر في مكانه وشك في الموضوع: “قصك إيه؟!”
كريم دار المفتاح الصغير في قفل الصندوق الحديد.. المرة دي مخرجش منه أوراق! كريم أخرج جهاز بث لاسلكي صغير مشبوك بشاشة ديجيتال بتعد ثواني، وأجهزة تشويش عالي التردد!
كريم قال بصوت صارم هز القاعة: “الصندوق ده يا فولكر.. طول الأربع سنين اللي فاتت، مكنش مجرد حافظة أوراق. الصندوق ده كان جهاز تحكم وتشفير موصول مباشرة بـ أجهزة الأمن الاتحادية الألمانية والإنتربول! أول ما فتحت القفل ده بالمفتاح الخاص، الموقع ده بالكامل اتحدد على خريطة القوات الخاصة، وصوتنا وكل كلمة قيلت هنا بتتبث مباشر لغرفة عمليات المحكمة الدولية!”
فولكر وشه أبيض زي الورق، وزعق في حراسه: “اقتلوووه!! اقتلوه واخدوا الشنطة!”
لكن قبل ما أي حارس يرفع سلاحه..
صوت انفجار قوي هز جدران المبنى! الشبابيك الزجاجية اتكسرت بالكامل، وقنابل دخان وصوت انطلقت من كل ناحية، ودخلت قوات الصاعقة والشرطة الاتحادية الألمانية (GSG 9) من السقف والأبواب وهم بيكبروا ويزعقوا بالإنجليزي والألماني: “اثبت مكانك! الشرطة!”
الفوضى عمت المكان، كريم اتنطر في أسرع من البرق ناحية بابا وماما، غطاهم بجسمه وأخذهم ورا عمود خرساني ضخم وهو بيحميهم من إطلاق النار العشوائي.
أختي كانت بتصرخ، وبابا كان ماسك في كريم وبيترعش ويقول: “يا ابني أنت مين؟! أنت بتعمل كل ده إزاي؟!”
كريم بص لبابا وهو بينهج والجروح مالية وشه وقال بثبات: “أنا الميكانيكي اللي أختك اتجوزته يا عمي.. الراجل اللي بيعرف يحمي بيته وعيلته.”
خلال دقائق معدودة، كانت القوات الخاصة سيطرت بالكامل على المبنى، فولكر وحراسه كانوا مقيدين على الأرض، والكلاب البوليسية بتفتش المكان.
الضابط المسؤول قرب من كريم، ضرب له تعظيم سلام رسمي قدام أهلي كلهم، وقال بالإنجليزي: “عمل ممتاز يا بشمهندس كريم. التقرير ينزل دلوقتي على كل السيرفرات، والقضية انتهت رسمياً لصالحك. أنت بطل.”
بابا وماما كانوا واقفين مش مصدقين عينيهم. الراجل اللي كانوا بيستهزؤوا بيه وبيقولوا عليه معهوش شهادة ومجرد بيمسح زيت في ورشة، طلع مهندس دولي، القوات الخاصة بتأدي له التحية، وبيخاطر بحياته عشان ينقذهم!
بعد ساعتين..
وصلت عربية الشرطة لبيت الضيافة اللي كنت قاعدة فيه. أول ما الباب اتفتح وشفت بابا وماما وكريم داخلين، جريت عليهم وأنا بصرخ من الفرحة والبكاء.
حضنت بابا وماما، وبابا كان بيعيط ويقولي: “سامحينا يا مريم.. سامحينا يا بنتي، إحنا كنا عميان. جوزك راجل بجد، يسوى أرقام الدنيا كلها.”
ماما مسكت إيد كريم وبستها وهي بتبكي: “حقك علينا يا ابني.. أنت أنقذت أرواحنا.”
كريم ابتسم بهدوء وقال: “مفيش أسف بين العيلة يا أمي.. المهم إنكم بخير.”
جت عيني في عين كريم، كان تعبان، وشه فيه كدمات، بس عينيه كانت مليانة حب ونصر. قربت منه وحضنته بقوة: “بحبك يا كريم.. بحبك من أول يوم شفتك فيه ميكانيكي، وبحبك النهاردة وأنت بطل.”
لكن.. وسط اللحظة الدافية دي..
هانز دخل الأوضة وهو ماسك موبايله، ووشه مشرحوش الخير أبداً!
هانز بص لكريم وقال بنبرة مرعوبة: “كريم.. القضية في ألمانيا اتقفلت وفولكر اتقبض عليه.. بس رئيس مجلس إدارة الشركة الأم في أمريكا الشمالية لسة هربان.. وقبل ما يختفي، نزل بيان ومكافأة مالية ضخمة جداً لمن يصفيك أنت والمرأة اللي معاك.. والبيان ده اتوزع على منظمات خطيرة في الشرق الأوسط!”
كريم ابتسم ابتسامة تحدي، ومسك إيدي بقوة، وبص لهانز وقال: “يبقى الرحلة لسة مخلصتش يا هانز.. ونحن مستعدين.”
شحب وشه بابا وماما لما سمعوا كلام هانز، والهدوء اللي دخل الأوضة من لحظات اتقلب من تاني لتوتر ورعب. بابا قرب من كريم وإيده بتترعش، مسك كتافه وقال بنبرة مليانة ندم وخوف: “يا ابني إحنا السبب.. إحنا اللي ورطناك وجبنا لك الكلام ده، ارجع معانا مصر وهناك ناكلها بعيش وجبنة ونستخبى في أي مكان، مش عايزين شركات ولا ملايين ولا قضايا، المهم حياتك أنت ومريم!”
كريم بص لبابا بنظرة دافية، ومسك إيده بكل احترام وقال بثبات: “لا يا عمي.. اللي بيهرب مرة بيفضل يهرب طول عمره. أنا عشت أربع سنين مستخبي تحت اسم مستعار وفي ورشة صغيرة، مش هعيش بقية عمري وأنا خايف على مراتي وعيلتي. رئيس الشركة ده فاكر إن فلوسه ونفوذه هيخلوه فوق القانون.. بس هو ميعرفش أنا مين ولا بعرف أدافع عن حقي إزاي.”
التفت كريم لهانز وقال بصوت حاد وواثق: “هانز.. أطلب لي مقابلة فورية مع المدعي العام الألماني ممثل ممثلي هيئة السلامة الدولية. مش هنستنى لما هو يبعت لي ناس.. إحنا اللي هنقفل الصفحة دي للابد والنهاردة.”
### مواجهة خط النهاية
خلال أقل من 48 ساعة، وتحت حراسة أمنية مشددة تشارك فيها أجهزة أمن دولية، اتعقدت المؤتمرات الصحفية وجلسات الاستماع الطارئة في فرانكفورت. كريم مكنش مجرد شاهد بيسلم أوراق، ده وقف قدام وسائل الإعلام العالمية، وورا الشاشات ملايين المتابعين، وعرض الأدلة والبراهين الهندسية المشفرة اللي بتكشف كل نقطة فساد وتزوير في تصاميم المحركات.
التقرير اللي أعده كريم وهو قاعد في ورشته البسيطة في مدينة نصر، تحت ضوء لمبة صديدة وبين أواني الشحم والزيت، كان هو القشة التي قصمت ظهر البعير.
خلال ساعات، صدرت نشرة حمراء من الإنتربول الدولي، وتمت المداهمة والقبض على رئيس الشركة الفار في ولاية فلوريدا، وتجمدت كل أصول الشركة وحساباتها البنكية، وانتهى الكابوس اللي عاشه كريم لأكثر من أربع سنين.
### العودة إلى البيت
بعد شهر كامل من التحقيقات والإجراءات وتأمين كل الأوضاع القانونية، نزلنا من الطيارة في مطار القاهرة الدولي.
المرة دي، النزول مكنش هربًا ولا في نص الليل. أهلي كانوا معانا، ونظرات بابا وماما لكريم اتغيرت تماماً؛ مكنتش نظرة خجل أو مجاملة، كانت نظرة فخر واعتزاز حقيقي براجل أثبت إنه سند وأمان لبنتهم في أحلك الظروف.
أول ما وصلنا الشقة، بابا طلب يقعد مع كريم لوحدهم في الصالون. دخلت أعمل لهم قهوة، وسمعت بابا وهو بيحب رأس كريم وبيقوله بصوت مخنوق بالدموع:
“سامحني يا ابني.. أنا حكمت عليك من الهدوم اللي لابسها ومن الشغلانة اللي بتشتغلها، نسيت إن الرجولة مش بشهادة حيطة ولا بشركة فارهة، الرجولة بالمعدن والأصل والحماية.. أنت شرفتني ودخلت بيتي كبيراً، وعلمتني درس مش هنساه طول عمري.”
كريم رد عليه بابتسامته الهادية المعتادة وقال: “حصل خير يا عمي.. أنت كنت خايف على بنتك وده حقك، وأنا مكنتش زعلان منك في يوم من الأيام.”
### الحكمة من القصة
خرج كريم للبلكونة، نفس البلكونة اللي كان بيطلع فيها يبتسم بهدوء أهلي وهو بيكلم المحامين والجهات الأمنية. وقفت جنبه، حطيت رأسي على كتفه وأنا ببتسم وبصة للنيل والمباني من بعيد.
بصلي كريم وقال بصوت هادي:
> **”يا مريم.. الناس دايماً بتشوف القشور، بتفتكر إن القيمة في المظاهر، في الشهادة اللي متعلقة على الحيطة، أو في المسمى الوظيفي اللي مكتوب على الكارت.. بس الحقيقة إن المظهر ممكن يخدع، والشهادات ممكن تتزور، والفلوس ممكن تروح وتيجي.”**
> **”الذهب بيتغطى بالتراب بس يفضل ذهب.. والراجل الحقيقي هو اللي معدنه بيظهر وقت الشدة، هو اللي بيعرف يحمي بيته، ويصون كرامة اللي بيحبهم، ويقف قدام الدنيا كلها بثبات وتواضع.”**
>
مسكت إيده بقوة وابتسمت، وأنا عارفة إن الاختيار اللي أهلي كانوا شايفينه “أكبر غلطة في حياتي”.. كان في الحقيقة أعظم وأصدق قرار أخدته في عمري كله.