اتجوزت ميكانيكي اسما السيد 2

وقفت ورا كريم وأنا جسمي كله بيترعش، نفسي كان طالع نازل بصعوبة، وصوت رنة جرس الباب في الوقت ده من الليل كان زي ضربات الشاكوش في دماغي. كريم فضلت عينه معلقة على العين السحرية، إيده الاتنين اتشدوا وعروق إيده ظهرت بوضوح، ووشه اللي كان أصفر من الشحوب بدأ يتحول لجمود وتأهب كأنه فهد مستعد يطمر على فريسته.

مسكت في طرف قميصه بصوابع مبروكة وقولت بصوت واطي جدًا بيترعش: “مين يا كريم؟ مين اللي يجي الساعة أربعة الفجر؟”

كريم ميل عليا بالراحة من غير ما يشيل عينه من على الباب، وبصوت هادي جدًا مفيش فيه أي نبرة خوف، بل تركيز حاد، قال: “اثبتي يا مريم.. وماتخرجيش من ورايا مهما حصل.”

رجعت رنة الجرس تتكرر تاني، بس المرة دي مكنتش خبطة عادية.. كانت دقات منتظمة وقوية، ثلاث خبطات متتالية وبعدها وقفة ثواني، وتكرار نفس النمط. كريم غمض عينه لحظة، وأخد نفس عميق كأنه اتأكد من هوية اللي بره.

مد إيده بحرص، وفتح القفل الأول للباب، وبعدين القفل الثاني. فتح الباب بالراحة..

كان واقف بره الشقة راجل طويل العرض، لابس بدلة كحلي أنيقة جدًا رغم حَر الليل، شعره أبيض مظبوط، وملامحه أوربية حادة، لكن نظرة عينه كانت دافية أول ما شاف كريم. جنب الراجل ده، كان فيه شابين هيئتهم الرياضية وبنيتهم الجسدية توحي بوضوح إنهم حراس شخصيين محترفين، عيونهم بتتحرك في الممر باستمرار وبيرصدوا كل شبر حواليهم.

الراجل العجوز بص لكريم، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه، وقال بلغة عربية مكسورة بلهجة ألمانية واضحة: “أهلاً يا بشمهندس كريم.. طال البحث عنك، لكن يسعدني إني أقولك: الوقت حان.”

كريم ما تحركش من مكانه، فضلت إيده ماسكة أكرة الباب وbody language بتاعه مشدود. رد عليه باللغة الألمانية بصوت حاد وواثق، والراجل العجوز هز رأسه بالتفهم، وبعدها كريم اتكلم بالعربي عشان أسمعه: “سيد هانز.. إيه اللي جابك هنا وفي التوقيت ده؟ وإزاي وصلت لشقتي؟”

الراجل اللي اسمه هانز أخد خطوة خفيفة للأمام، وقال بجدية: “الشرطة الاتحادية الألمانية وهيئة السلامة الأوروبية آمنت ملفك بالكامل يا كريم. المحكمة صدر عنها النهاردة الصبح قرار بإعادة فتح ملف القضية رسمياً، وصدور أوامر ضبط وإحضار لرئيس مجلس إدارة الشركة وكبار التنفيذيين اللي حاولوا يلفقوا لك التهم ويصفوك. أنت مش بس بريء.. أنت بقيت الشاهد الرئيسي اللي القضاء المنتظر بيستند عليه.”

كريم بص له بجمود وقال: “وده يبرر إنك تظهر عند باب بيتي في ليلة فرحي وتعرّض حياتي وحياة مراتي للخطر؟”

هانز هَز رأسه بنفي سريع وقال بتوتر واصل لنبرته: “بالعكس يا كريم! وجودنا هنا هو السبب الوحيد اللي هيحميك الليلة. رجال أعمال الشركة عرفوا إن المحكمة استلمت التقرير الأصلي بختمك الهندسي، وعرفوا إن مكانك اتكشف في القاهرة. فيه فريق اتحرك من أوروبا ليلة أمس، وهدفهم الوحيد إنه يمنعك من الوصول لجلسة الاستماع الأسبوع الجاي. الشارع بتاعك متراقب من ساعتين يا كريم!”

حسيت الدنيا بتدور بيا.. الكلمات كانت بتنزل عليا زي الصدمات الكهربائية. الشارع متراقب؟ فريق جاي من أوروبا؟ كريم الميكانيكي البسيط اللي أهلي كانوا بيعاملوه بقلة قيمة، طلع قضية رأي عام دولية وفيه ناس بتطاردو في قلب القاهرة!

كريم التفت لي بسرعة، مسك كتافي بصلابة وعينيه جت في عينيا وقال: “مريم.. اسمعيني كويس. مفيش وقت للخوف دلوقتي. كل كلمة حكيتهالك في الصندوق كانت الحقيقة، واللي بره دول مش أعدائي، هانز ده المحامي الخبير اللي ماسك قرايا الملف القانوني بتاعي من أربع سنين. بس الخطر الحقيقي بره الشقة دلوقتي.”

دموعي نزلت وقُلت له: “هنعمل إيه يا كريم؟ هنروح فين؟ أهلي لو عرفوا..”

كريم قاطعني بابتسامة دافية وسط كل الضغط ده، مسح دموعي بإبهامه وقال: “أهلك هيعرفوا الحقيقة في الوقت المناسب.. بس دلوقتي لازم تحافظي على نفسك وتثقي فيا. أنتي اخترتيني وأنا تحت العربيات وفي وسَط الشحم، ودلوقتي جه الوقت اللي أثبت لك فيه إن اختيارك كان صح، وإن راجلك يقدر يحميكي من الدنيا كلها.”

كريم لف للهانز وقال بصوت صارم: “قدامنا قد إيه؟”

هانز بص في ساعته وقال: “أقل من ثلث ساعة قبل ما المجموعة الثانية توصل للشارع. السيارات جاهزة تحت، وفي حراسة مشددة هتأمن طريقنا لحد المطار أو لمكان آمن تختاروه.”

كريم هز رأسه، ودخل الأوضة بسرعة. مسك الصندوق الحديد، حطه جوه شنطة ظهر سوداء تقيلة، وأخد جوازات السفر والأوراق الرسمية، ولبس جاكيت خفيف فوق هدومه. أخد إيدي بقوة وقال: “يلا يا مريم.”

خرجنا من الشقة، وهانز والحارسين كانوا محاوطيننا. نزلنا على السلم بسرعة وبدون ما نعمل أي صوت. هدوء العمارة كان مرعب، وكل خطوة كنا بنخطوها كانت بتعمل صدا صوت خفيف في السلم الرخام.

أول ما وصلنا لبوابة العمارة تحت، كريم مسك إيدي وقالي: “أول ما الباب يفتح، هتطلعي تجري على العربية السوداء اللي واقفة صف ثاني.. متلفيش وراكي مهما سمعتي.”

قلبي كان بيخفق بشدة، ريحة الفجر والندى كانت مالية الهواء، لكن الجو كان مشحون بتوتر يقطع النفس.

الحارس الأول فتح باب العمارة بالراحة وخرج يستطلع الشارع. الشارع كان فاضي وهادي تماماً، المحلات مقفولة، ولنبات العمدان بترمى ضوء أصفر خافت على العربيات المركونة. العربية الفارهة ذات الزجاج الأسود كانت واقفة ومحركها داير بصوت واطي جداً.

الحارس أدى إشارة لكريم إن الطريق أمان. كريم مسك إيدي وبدأنا نتحرك بسرعة ناحية العربية.

لكن.. قبل ما نوصل للعربية ب خطوات قليلة..

سمعنا صوت صريخ فرامل حاد صادر من عربية دفع رباعي سوداء ظهرت فجأة من أول الشارع! العربية كانت جاية بسرعة جنونية، وأضواءها العالية اتفتحت مرة واحدة بوجهنا!

“كريم!!” صرخت بأعلى صوتي وأنا بستوعب المنظر.

في أقل من ثانية، كريم شدني بكل قوته ورا جسمه، ودفعتي ناحية العربية الأمنة، في نفس الوقت اللي الحراس أخرجوا فيه أسلحتهم ووقفوا ساتر قدامنا.

العربية الدفع الرباعي وقفت بالعرض وقفلت الشارع تماماً، وأبوابها اتفتحت بسرعة.. ونزل منها أربعة أشخاص ملثمين، لابسين أسود في أسود، وبإيديهم أجهزة تحكم وأسلحة!

أحد الملثمين اتكلم بصوت جهوري بلغة عربية مكسورة: “سيد كريم.. الصندوق اللي معاك مش هيركب الطيارة، وأنت مش هتوصل للمحكمة!”

كريم وقف بثبات خرافي قدامهم، الصندوق كان في الشنطة على ظهره، عينيه كانت بتلمع بالتحدي. التفت لي بسرعة وقال بصوت منخفض وصارم: “ارركبي العربية يا مريم واقفلي الباب على نفسك فوراً!”

“مش هسيبك يا كريم!” صرخت وأنا ماسكة في دراعه.

بصلي بنظرة أخيره مليانة حنان وقوة وقال: “أنا وعدتك إن حياتنا هتبدأ صح.. والثمن ده أنا مستعد أدفعه عشان نعيش في أمان. ادخلي جوه!”

زقني بالراحة جوه العربية والحارس قفل الباب عليا بسرعة. من جوه الزجاج الفاميه المصفح، كنت شايفه المنظر كأني في فيلم كابوس. كريم واقف في نص الشارع، محاط بالحراس والمهاجمين، والأضواء العالية بتعكس ظله الطويل على أسفلت الشارع الشديد السواد.

وفجأة.. المهاجم الرئيسي رفع إيده وأدى إشارة.. وفي نفس اللحظة، كريم مد إيده جوه جاكيته وأخرج جهاز صغير شكله غريب، وضغط على زرار فيه!

صوت صفارة حادة انطلق من العمارة اللي كنا ساكنين فيها، والأضواء الخارجية للشارع كلها اتقطعت مرة واحدة، وحل الضلام الدامس على المكان!

سمعت أصوات صراخ واشتباك في الضلمة، وصوت ضربات معدنية حادة. قلبي كان بيتقطع وأنا مش شايفه حاجة، بضرب على إزاز العربية وبصرخ باسمه: “كرييييم! كريم!”

وبعد ثواني معدودة كانت بالنسبة لي كأنها دهر.. اتفتح باب العربية بسرعة، ودخل شخص وهو بينهج بشدة..

كان كريم!

هدومه كانت متتربة، ووشه فيه جرح خفيف عند خده، بس كان ماسك الشنطة في إيده وعينيه سالمة. قفل الباب بسرعة وزعق للسواق: “اتحرك فوراً على المطار! يلا!”

العربية طلعت بأقصى سرعة، الكاوتشات سحفت على الأسفلت، وسبنا الشارع وراءنا المليان بالفوضى والأضواء اللي بدأت ترجع تفتح وتطفي.

ارتميت في حضن كريم وأنا بنتحب وبترعش. كريم حضنني بقوة، حط رأسه على رأسي وكان بينهج، وإيده بتطبطب عليا بالراحة: “أنا بخير يا مريم.. بخير. خلاص.. الخطر الأكبر عدى.”

مسحت دموعي وبصيت له وهو بينهج، وقولتله: “هنروح فين دلوقتي؟ وإيه الجهاز اللي كان معاك ده؟”

كريم ابتسم ابتسامة تعب، وبص من الشباك للشارع اللي بيعدي بسرعة: “الـ أجهزة دي كانت خطتي الاحتياطية لو المكان اتكشف. الشقة الميكانيكية اللي كنت قاعد فيها مكنتش مجرد ورشة.. كانت مركز إدارة كامل معزول. والأوراق اللي في الشنطة دي.. فيها أسماء شخصيات كبيرة جدًا هنا وفي أوروبا، شخصيات كانت بتسهل للشركة دي عملياتها.”

بصلي وواجهني بجدية: “حياتنا القديمة انتهت يا مريم. أهلك اللي كانوا شايفينني ميكانيكي مش يسوى، هيصحوا الصبح يلاقوا الشارع مليان بوليس وتحقيقات، وهيلاقوا اسمي في كل وسائل الإعلام العالمية كمهندس الطيران اللي كشف أكبر قضية فساد صناعي في التارخ الحديث.”

سكت كريم لحظة، وتليفونه رن بصوت عالي. بص في الشاشة، ملامحه اتغيرت وتشنجت تاني.

رد على المكالمة، وحط التليفون على السبيكر..

صوت جهوري وعصبي جايلنا من السماعة، صوت بابا!!

“مريم؟! كريم؟! أنتم فين؟! البوليس واقف تحت العمارة، وفيه رجال أعمال وناسين بتسأل عنك يا كريم! أنت مين يا ابني؟! وعملت إيه في بنتي؟!”

كريم بصلي، وبعدين رد على التليفون بثبات وهدوء تام: “عمي.. بنتك في أمان معايا زي ما وعدتك. والميكانيكي اللي كنت بتقول عليه بيمسح الزيت والشحم.. رايح دلوقتي يغير مجرى قضية دولية. وصدقني.. لما نرجع، هيكون لينا كلام تاني خالص.”

وقفل كريم الخط في وش بابا، وبصلي والتحدي في عينيه بيكبر.. والطائرة كانت بمنتظرانا على مدرج المطار عشان تبدأ رحلة المواجهة الأخيرة.

طارت الطيارة الخاصة من مطار القاهرة في اتجاه فرانكفورت، والسحاب تحتنا كان شبه جبال من الثلج. كنت قاعدة جنب كريم، سانده رأسي على كتفه، وإيده ماسكة إيدي بقوة. الهدوء جوه كابينة الطيارة كان عكس العاصفة اللي سيبناها ورايا في مصر.

بابا حاول يتصل أكتر من عشر مرات قبل ما ندخل المطار، والرسائل من أمي وأختي كانت مالية الموبايل:

“مريم ردي علينا! فيه رجال أمن ورجال أعمال بيسألوا عن جوزك تحت العمارة!”

“هو كريم ده مين بجد؟ التلفزيون بيذيع أخبار عن مهندس مصري هربان من تحقيقات دولية!”

كريم بص لموبايله وقفل الشبكة تماماً. التفت لي وقال بصوت هادي: “عارف إنك خايفة.. وعارف إن أهلك مستوعبوش اللي بيحصل. بس كل حاجة هتوضح لمّا نوصل.”

بعد أربع ساعات هبوط اضطراري في مطار عسكري بالقرب من فرانكفورت، استقبلتنا ثلاث عربيات سوداء مصفحة تابعة للشرطة الاتحادية الألمانية. النزول من الطيارة كان شبه مشاهد الأفلام؛ حراسة مشددة، رجال مسلحين مأمنين الممر، وهانز المحامي بيمشي قدامنا بسرعة وهو بيراجع ملفات مع ضابط ألماني برتبة كبيرة.

وصلنا لمقر إقامة آمن، “بيت ضيافة مؤمن” في منطقة ريفية معزولة عن ضوضاء المدينة. المكان كان مليان شاشات مراقبة وأجهزة اتصالات حديقة.

أول ما دخلنا الأوضة، كريم رمى جاكيته على الكرسي، وقعد قدام شاشة لابتوب كبيرة اتفتحت فوراً. هانز دخل وراه وقال بجدية: “كريم.. الجلسة الإجرائية الأولى للمحكمة بكرة الصبح. الشاهد الرئيسي لم يتغير، بس فيه تطور جديد وخطير جداً.”

كريم رفع راسه: “تطور إيه يا هانز؟”

هانز حط ملف أسود قدامه وقال: “الشركة المشتبه فيها منزلتش أيديها. هما عرفوا إن التقرير الأصلي اللي معاك بيثبت إن العيب التصنيعي مكنش غلطة هندسية حرة، لكنه كان تعمد صريح لتوفير مليارات الدولارات في خطوط الإنتاج. لو التقرير ده وصل للمحكمة بكرة، الشركة هتاخد حكم بالإفلاس وتصفية أصولها، ورئيس مجلس الإدارة هيتحاكم بتهم تصل للسجن المدى الحياة.”

كمل هانز ونبرة صوته اتغيرت لخوف واصل: “علشان كده.. هما مش مركزين معاك أنت بس دلوقتي يا كريم. هما بدأوا يضغطوا عليك من المكان اللي يوجعك بجد.”

كريم اتسمر في مكانه، وبص لي بسرعة، وبعدين بص لهانز وقال بصوت حاد كالسكين: “أقصدك إيه؟”

هانز شغل الشاشة الكبيرة اللي على الحيطة.. وظهرت عليها صورة لايف مأخوذة من كاميرا مراقبة شارع!

الكاميرا كانت جايبة عمارتنا في مدينة نصر في القاهرة!

أبويا وأمي وأختي كانوا نازلين من العمارة ومعاهم شنط سفر، ومحاطين بأربعة أشخاص غريبين لابسين بدل سوداء، وبيجبروهم يركبوا عربية فان مقفولة!

صريخت بصوت هز المكان: “بابا! بابا وماما!!”

مسكت في كريم وأنا بنتحب ودموعي غطت وشي: “كريم.. أهلي! أهلي في خطر بسببي وبسببك! عملوا فيهم إيه؟!”

كريم قام وقف، عيونه كانت بتطلع شرار. مسك هانز من ياقة بدلته وبصوت يرج الأوضة قال: “إزاي ده يحصل؟! مش قلت لي إن الشرطة المصرية والأجهزة هناك متأمنة ومراقبة العمارة؟!”

هانز اتكلم بتوتر: “المجموعة دي دخلت بتصاريح وهمية وكارت أمني مزور.. هما خطفوهم عشان يساوموك يا كريم! الشق الأمني هددك صراحة.. التقرير مقابل حياتهم!”

كريم ساب هانز، وبدأ يمشي في الأوضة زي الأسد الحبيس. ضرب أيده على الترابيزة بكل قوته، الصندوق الحديد القديم كان مفتوح جنبه، والأوراق مجهرة.

التفت لي، شافني قعدة على الأرض بمنهار من البكاء. قرب مني، نزل على ركبه، ومسك وشي بين إيديه التنين: “مريم.. بصي لي. أوعدك.. وحياة كل لحظة حب بينّا، مش هسمح لحد يمس شعرة واحدة من أهلك.”

قلت له وأنا بنهنه: “أهلي كانوا بيستهزئوا بيك.. كانوا بيكرهوك ويقولوا عليك ميكانيكي مش متعلم.. ولما لقوا نفسهم في خطر، الخطر ده جه من سرك أنت! إزاي هتنقذهم؟”

كريم ابتسم ابتسامة صلبة، فيها مزيج من الكبرياء والوفاء: “أهلك أهلي يا مريم.. مهما قالوا ومهما عملوا، هما أهلك اللي ربوكي. وأنا مكنتش هكون الراجل اللي حبيتيه لو سيبتهم في ورطة بسببي. هما حاولوا يصغروني عشان فاكرين القيمة في الشهادة والمظاهر.. بس أنا هثبت لهم إن قيمة الراجل في وقفته وحمايته لبيته.”

أخد نفس عميق، ووقف بثبات. التفت لهانز وقال له بلغة حازمة: “الخطة اتغيرت.”

هانز اتخض: “يعني إيه اتغيرت؟ الجلسة بكرة!”

كريم بص للشاشة اللي فيها صورة العربية الفان وقال: “مش هسلم التقرير للمحكمة بكرة الصبح.”

هانز زعق: “أنت تجننت يا كريم؟! لو متسلمش التقرير بكرة القضية هتقع، وحمايتك الدولية هتترفع، والشركة هتكسب!”

كريم قرب من اللابتوب، وضغط على زرار معين فتح ملف مشفر أصفر. بص لهانز وقال بثقة يخاف منها العقل: “التقرير اللي هما فاكرين إنه معاي في الصندوق الحديد.. مجرد نسخة. النسخة الأصلية والأدلة الرقمية اللي بتقفل الشركة دي للأبد، متشفرة على سيرفر معزول، ومفتوحة بتايمر (عد تنازلي).”

كمل كريم ونبرته بقت داهية: “التايمر ده هينتهي كمان 12 ساعة.. يعني لو ما اتدخلتش بنفسي وأجلت البث، التقرير هينزل تلقائياً على كل وكالات الأنباء وهيئات السلامة في العالم وفي نفس الوقت هيتبعت للشرطة.”

هانز بص له بذهول: “أنت عملت كدة متين؟!”

كريم رد ببرود: “عملته وأنا قاعد في الورشة في مدينة نصر، بين الزيت والشحم اللي كانوا بيضحكوا عليا بسببه.”

التفت لي كريم، أخد الشنطة السوداء، وبص في عيني: “مريم.. هانز هيفضل معاكي هنا في المكان المؤمن ده. ومفيش مخلوق يقدر يوصل لك.”

سألته برعب: “وأنت رايح فين يا كريم؟!”

كريم حط يده على القفل القديم بتاع الصندوق الحديد وقال: “رايح أقابل الناس اللي خطفوا أهلك.. هعمل معاهم صفقة، الصفقة اللي هترجع أهلك وأنا ماسك كل خيوط اللعبة في إيدي.”

“كريم لا! هيموتوك!” صرخت وأنا بمسك فيه.

كريم باس دماغي وقال بصوت واطي مليان حنان: “أنا الميكانيكي اللي صلح عربياتهم المكسورة زمان.. والنهاردة هصلح الغلطة دي بيدي. ثقي في جوزك يا مريم.”

خرج كريم من الأوضة بخطوات سريعة، والحراس مشيوا وراه، وسابني واقفة في نص الأوضة، قلبي بينبض برعب، وعيني على الشاشة اللي فيها صورة العربية اللي فيها أهلي.. والساعة اللي على الحيطة بدأت تعد تنازلي لـ 12 ساعة حاسمة ستحدد مصير عيلتي كلها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *