زهره الربيع كامله2

تجمّدت في مكاني فوق حرف الشباك، ونفسي انقطع تماماً. خبطات محمود على الباب كانت بتزيد وقوة الخبط كانت بتهز الخشب القديم بتاع الباب، وصوته بره اتحول من الشك لغضب مكتوم وهو بيوشوش ورا الباب: “افتحي يا بنت الناس وبلاش جنان.. متخلينيش أكسر الباب وألمّ عليكي أهلي في أول ليلة!”.

عرفت إن مفيش وقت للتراجع. لو فتحت الباب، هكون سلمت نفسي لتهديده ولوي دراعه العمر كله. غمضت عيني، واستعذت بالله، ورميت جسمي من الشباك لداخل المنور. رجلي خبطت في الأرض بطرقعة وجعتني، بس الوجع مكنش مقارن بالرعب اللي جوايا. مسكت الشنطة بسرعة وجريت على باب المنور الحديد.. كان مقفول بمسوجر عادّي مش بقفل. رفعته بإيدين بترتعش وفتحت الباب وخرجت للشارع الجانبي.

الجو كان سكتة تماماً، الهوا الساقع خبط في وشي وكأنه بيفوقني من كابوس. جريت في الشوارع المضلّمة وأنا بتلفت ورايا، خايفة لملمح طيفه أو حد من قرايبه يشوفني. مكنش ينفع أروح لبيت أهلي.. محمود لو ملحقنيش في الشقة، أول مكان هيجري عليه هو بيت أبويا، وهناك هيعمل الفضيحة اللي هددني بيها وهيقلب الترابيزة عليا ويوهمهم إني هربت لسبب يمس شرفي.

طلعت تليفوني وأنا بجري، وبأصابع متلخبطة طلبت رقم “رنا” صاحبة عمري وبنت خالتي. رنا كانت متجوزة وقاعدة في شقة إيجار في آخر البلد مع جوزها، ومحدش من أهل محمود يعرف مكانها أو حتى يعرفها معرفة شخصية.

الخط جمع، وجالي صوتها النايم المستغرب: “ألو.. مين؟ يا بنتي أنتي بتتصلي دلوقتي ليه؟ مش المفروض أنتي في شقتك؟!”.

انفجرت في العياط المكتوم وأنا بنهج: “رنا.. إلحقيني يا رنا.. أنا في الشارع، محمود طلع متجوز ومخلف وتخفيل عليا، وهددني في شرفي وأهلي.. أنا جايلك، افتحيلي الباب أرجوكي ومتقوليش لحد!”.

مسافة السكة كنت واصلة عند عمارتها، طلعت السلم جري ولقيتها واقفة مستنياني على الباب بملامح مخضوضة ومرعوبة. أول ما شافتني، سحبتني لجوّة وقفلت الباب وخدتني في حضنها وأنا بجسمي كله بترعش ودموعي مش راضية تقف.

حكيت ليها ولجوزها “مصطفى” اللي صحي على صوتنا كل اللي حصل، من أول كلمة قالتها مراته منار لحد تهديده القذر ليا قبل ما أهرب من الشباك. مصطفى وشه جاب ألوان وقام وقف بغضب: “الندل الواطي! ده مفكر بنات الناس لعبة؟ إحنا لازم نكلم أبوكي يا فنانة ونروح نهد فوق دماغه الشقة”.

قومت بسرعة وجمعت طواريء قوتي وقولتله: “لا يا مصطفى.. محمود ذكي وخبيث، لو عرفوا دلوقتي، أبويا ضغطه هيعلى وممكن يجراله حاجة، وأخواتي البنات سيرتهم هتبقى على كل لسان ليلة الفرح في بلد مبتجاملش.. محمود قال إنه متفق مع المأذون يداري ورق الجواز الأولاني.. أنا مش هتحرك من هنا ولا هظهر لأهلي إلا ومعايا الدليل المادي اللي يكسر عينه ويثبت كدبه وتزويره قدام البلد كلها وعيلتي!”.

رنا بصتلي بذهول وقالت: “دليل إيه يا بنتي؟ وإحنا هنجيبه منين دلوقتي والوقت متأخر؟!”.

بصيت لها وعيوني فيها نظرة تحدي وغل عمري ما حسيت بيهم قبل كده، وقولت: “المأذون.. محمود قال إنه وشوش المأذون واتفق معاه. المأذون ده من نفس البلد هنا، وأكيد الدفاتر والورق الحقيقي لسه معاه أو على الأقل يقدر يشهد، والصبح لما النهار يطلع.. هعرف إزاي أخليه ينطق بالحقيقة”.

قبل ما رنا ترد، تليفوني اللي في إيدي بدأ يرن ويهتز بعنف.. بصيت على الشاشة، لقيت اسم “محمود” بينور ويطفي زي الشيطان.

مصطفى قالي: “متشرديش.. افتحي عليه واثبتي، خلّينا نعرف هو بيفكر في إيه وعمل إيه لما لقاكي هربتي”.

فتحت الخط وفتحت السبيكر، وجالي صوته فجأة، بس المرة دي مكنش هادي ولا بارد.. كان صوت فحيح أفعى مخنوق من الغيظ وهو بيقول: “بقى بتهربي من الشباك يا بنت (…)؟ فاكرة نفسك ذكية؟ اسمعي بقى.. أنا واقف دلوقتي حالا تحت بيت أبوكي، ولو مرجعتيش الشقة في ظرف نص ساعة، هطلع أصحّي أبوكي وأخواتك وأقولهم إنك هربتي من الشقة ليلة دخلتك علشان أنا اكتشفت مصيبة تخص شرفك.. وورينا بقى مين في البلد هيصدقك يا عروسة!”.

حبست نفسي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. مصطفى ورنا برقت عينيهم بصدمة ورعب، ومصطفى كان هيزعق في التليفون بس كتمت بوقه بإيدي بسرعة وهزيت راسي بـ “لا”.

أخدت نفس طويل، وجمعت كل برود الدنيا في صوتي، وقولتله بنبرة جامدة خالية من أي خوف: “أعلى ما في خيلك اركبه يا محمود. اطلّع لأبويا وصحّيه، وقوله اللي أنت عايزه. بس افتكر كويس.. أبويا صعيدي، وقبل ما يسألني في شرفي، هيقولك فين ورقة الجواز وفين بنتك؟ ولما الحقيقة تظهر إنك مغفلنا ومزور وكاتب كتابك من وراه ومن ورا المأذون، أبويا مش هيسيبك تخرج من بيته عايش، وعيلتي كلها هتقف دقيقة واحدة تخلص عليك.. اطلّع يا محمود، أنا مستنياك تعملها”.

خطتي كانت “عض أصابع”.. مين فينا نفسه أطول ومين اللي هيخاف الأول. وسكوت محمود على الخط لثواني أكد لي إن كلامي جه على الجرح؛ هو جبان وبيخاف على روحه، ويهمه يظهر قدام الناس بمظهر المنتصر، مش الراجل اللي هربت منه مراته ليلة دخلته.

فجأة نبرته اتغيرت، وصوته بقى واطي ومليان غل: “ماشي يا بنت الناس.. فاكرة نفسك شاطرة وهتلعبي معايا؟ قسماً بالله ما هسيبك، والبلد دي مش هتعرفي تمشي في شوارعها تاني.. قدامك للصبح، لو مرجعتيش بعقلك، الحساب هيبدأ”. وقفل السكة في وشي.

رميت التليفون على الكنبة وجسمي كله ساب. قعدت وأنا بنهج، ورنا جريت عليا جابت لي ميه وهي بتقول: “يخرب بيته! ده شيطان.. بس أنتي كنتي شجاعة وقفلتي في وشه السكة، تفتكري هيطلع لأبوكي؟”.

مصطفى رد وهو بيتحرك في الصالة: “لا، مش هيطلع. الجبان اللي يستخبى ورا المأذون ويزور ويخبي إنه متجوز ومخلف تلت بنات، ميجرؤش يقف قدام عيلة صعيدية ويقولهم بنتكم هربت ليلة الدخلة، لأنه عارف إنه لو كدب، هيتطلب منه إثبات، ولو ظهر كدبه، دمه هيبقى حلال. هو كان بيهوش بس علشان يرجعها تحت طوعه”.

بصيت لمصطفى وقولت وعيني فيها شرار: “النهار هيطلع بعد كام ساعة يا مصطفى. محمود مش هيسكت، والصبح البلد كلها هتعرف إن فيه حاجة غلط لأن أهله وأمه ومنار مستنيينه يرجع، ومحدش هيسكت. إحنا لازم نتحرك قبل ما هو ياخد خطوة تانية ويثبت موقفه”.

مصطفى قالي: “الخطة إيه؟”.

قولتله: “الساعة دلوقتي قربت على تلاتة الصبح. على الساعة سبعة، هنروح لبيت المأذون اللي كتب الكتاب. المأذون ده اسمه الشيخ عبد السلام، وبيته في أول البلد. هنروح له قبل ما محمود يوصل له أو يخليه يختفي. لازم نخليه يطلع أصل الدفتر، وناخد منه شهادة مسجلة أو ورقة تثبت إن محمود متجوز منار ومخلف منها، وإن حصل تلاعب في إشهار الجواز قدام أهلي”.

مرت الساعات اللي باقية من الليل وكأنها سنين. كنت قاعدة باصة للسقف، شريط عمري كله بيعدي قدامي. الراجل اللي وثقت فيه وحاربته أهلي علشانه، طلع أكبر مقلب في حياتي. بس الغريب إني مكنتش عيانة ولا مكسورة.. الصدمة الأولى ماتت، واتولد مكانها رغبة قوية إني أهد المعبد على دماغه ودماغ أهله اللي جم يمثلوا عليا اللطف والترحاب وهم عارفين إنهم جايين يظلموا بنت مالهاش ذنب.

أول ما الشمس بدأت تشقشق، قمت وقفت ولبست طرحتي تاني. مصطفى نزل معايا ورنا صممت تيجي معانا. ركبنا عربية مصطفى وتحركنا في الشوارع الفاضية لحد ما وصلنا قدام بيت الشيخ عبد السلام المأذون.

البيت كان هادي، ومصطفى خبط على الباب بهدوء لحد ما فتحت لنا بنته الصغيره، وبعد دقائق خرج لنا الشيخ عبد السلام وهو لابس جلبابه الأبيض وبيمسح عينه من النوم، وأول ما شافني، ملامحه اتخطفت والدم هرب من وشه وكأنه شاف شبح!

وقف مكان برعب وقال بصوت مرتعش: “العروسة؟! أنتي إيه اللي جابك هنا يا بنتي في وقت زي ده؟ وفين عريسك محمود؟!”.

قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه بكل قوة وقولتله: “محمود في شقته يا فضيلة الشيخ.. وأنا هنا علشان تسلمني الدفتر اللي اتوشوشت فيه معاه وقت كتب الكتاب، وتديني إثبات إن جوزي (سيد الرجالة) متجوز ومخلف تلت بنات.. وإلا، البلاغ اللي هيتقدم للنيابة بعد ساعة بتهمة التزوير والاشتراك في خديعة، مش هيطول محمود بس.. ده هيطير رقبتك وعمامتك كمان!”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *