جوزي كلمني 3
خرجتُ من باب الفيلا وكأنني أهرب من سجنٍ محترق. صوت وائل وهو ينادي باسمي “نورا! أرجوكِ اسمعيني!” كان يتلاشى خلفي، لم يعد له أي صدى في قلبي. كل ما كان يشغل بالي هو ذلك الظرف الأسود وتلك السيارة التي تقف في الظلام كأنها وحش مستعد لابتلاعي.
وصلتُ إلى السيارة، توقفتُ للحظة ألتقط أنفاسي، وياسين قد غفا من التعب على كتفي، غير مدرك أن حياته تغيرت للأبد في غضون ساعة. هبط زجاج السيارة الخلفي ببطء شديد، ليظهر من خلفه وجه لم أكن أتوقع رؤيته ولو في الأحلام.
كانت امرأة.. ملامحها طاغية في الجمال رغم تقدمها في السن، ترتدي نظارة سوداء أخفت عينيها، لكن شفتيها المرتجفتين خانتا ثباتها.
— “اركبي يا نورا،” قالت بصوت مخنوق بالدموع. “مفيش وقت، هما مش هيسكتوا بعد اللي حصل جوه.”
فتحتُ الباب وركبتُ بجانبها وأنا في حالة من الذهول التام. انطلقت السيارة بسرعة، بينما سألتها وصوتي يرتجف:
— “أنتِ مين؟ وإزاي المحامي ده تبعك؟ ومين اللي كلمني بصوت وائل؟”
خلعت المرأة نظارتها، لتظهر عينان تشبهان عيني ياسين تماماً.. نفس الرسمة، نفس اللون المحير. قالت بهدوء:
— “أنا (ليلى).. الأخت اللي وائل وأمه حاولوا يمسحوا وجودها من الدنيا من عشر سنين. أما المكالمة، فده برنامج ذكاء اصطناعي متطور استخدمناه عشان نسحبك للبيت في التوقيت ده بالذات، لأننا عرفنا إن فوزية وخالد ناويين يخلصوا منك قانونياً الليلة دي.”
شعرتُ بالدوار. وائل لم يذكر قط أن له أختاً! كان دائماً يقول إنه الابن الوحيد لفوزية هانم.
— “أخت وائل؟ بس هو قالي..”
قاطعتني بمرارة:
— “قالك ملوش حد.. لأنهم طردوني ولفقوا لي تهمة زمان عشان ياخدوا نصيبي في الميراث، زي ما كانوا هيعملوا معاكي بالظبط. أنا كنت بتابعك من بعيد، وشفت فيكي نفسي.. شفت غدرهم بيتكرر تاني.”
فتحتُ الظرف الأسود الذي أعطاني إياه المحامي، وجدتُ فيه صوراً لوائل وهو يجلس مع امرأة أخرى في مطعم غامض، وصورة لشيك ممضي من فوزية هانم بتاريخ قديم، لكن الصدمة كانت في الورقة الأخيرة.
كانت شهادة ميلاد.. باسم “ياسين”.. لكن خانة الأب لم تكن تحمل اسم وائل!
بردت أطرافى تماماً، ونظرت لليلى بذهول:
— “إيه ده؟ التحليل الحقيقي قال إنه ابن وائل! ليه الورقة دي بتقول حاجة تانية؟”
ابتسمت ليلى ابتسامة غامضة وقالت وهي تنظر للطريق:
— “التحليل اللي المحامي أظهره جوه كان حقيقي فعلاً يا نورا.. بس “وائل” اللي جوه البيت مش هو “وائل” اللي مكتوب في شهادة الميلاد دي. اللعبة أكبر بكتير من مجرد ورث يا نورا.. إحنا داخلين على منطقة مفيش فيها رجوع.”
وفجأة، انحرفت السيارة عن الطريق الرئيسي ودخلت في ممر جبلي مظلم، بينما ظهرت خلفنا أضواء سيارات تطاردنا بسرعة جنونية.
— “تمسكي كويس،” صرخت ليلى وهي تزيد السرعة، “الظاهر إن خالد مكنش بيلعب لوحده.. الوحش الكبير صحي!”
## الجزء السادس: مطاردة الأشباح
انطلقت السيارة بنا كالسهم في قلب الظلام، وصوت احتكاك الإطارات بالأرض الجبلية كان يصم الآذان. التفتُّ خلفي بذعر، فرأيت ثلاثة سيارات دفع رباعي ضخمة تقترب منا، تفتح أضواءها العالية لتُعمي بصر “ليلى” التي كانت تقبض على عجلة القيادة بقوة جعلت عروق يدها تبرز بوضوح.
— “مين دول يا ليلى؟” صرختُ وأنا أحاول تثبيت ياسين الذي استيقظ مفزوعاً وبدأ في البكاء. “خالد معندوش القوة دي كلها!”
ردت ليلى وهي تنعطف بالسيارة بشكل حاد كاد أن يقلبنا:
— “خالد مجرد مخلب قط.. اللي ورا السواقة دي هو “سليم الرفاعي”.. الشريك السري لوائل في صفقات المينا، والراجل اللي فوزية هانم باعت له نص أملاك العيلة من ورا ضهر الجد عشان يداري على جرايم وائل القديمة!”
لم أستوعب نصف ما تقوله، كان عقلي يتوقف عند سؤال واحد: “من هو وائل الذي تزوجته؟” هل كان مجرد واجهة؟ هل كنت أعيش مع شبح؟
فجأة، صدمت إحدى السيارات خلفنا مؤخرة سيارتنا بقوة. ارتطم رأسي بالزجاج، وشعرت بطعم الدم في فمي. ياسين كان يصرخ بهستيريا، وفي تلك اللحظة، تحولت غريزة الخوف عندي إلى غضب عارم.
— “وقفي العربية!” صرختُ في ليلى. “هيموتونا!”
— “لو وقفت دلوقتي، مش بس هنموت.. هنختفي من الوجود!” ردت ليلى وهي تخرج جهازاً صغيراً من تابلوه السيارة وتضغط على زر أحمر. “أنا بلغت “الجهة” اللي بتراقب سليم.. دقيقتين واللعبة هتتغير.”
في تلك اللحظة، ظهرت طائرة هليكوبتر من فوق الجبل، وسلطت كشافاً عملاقاً على السيارات المطاردة. صوت مكبرات الصوت زلزل المكان: “توقفوا فوراً! القوات الخاصة في المحيط!”
تراجعت السيارات المطاردة فجأة، وانحرفت بعيداً عن الطريق، لكن ليلى لم تتوقف. استمرت في القيادة حتى وصلنا إلى فيلا منعزلة تماماً، يحيط بها حرس مسلحون بملابس مدنية.
نزلتُ من السيارة وأنا أرتجف، أحمل ياسين الذي هدأ قليلاً من التعب. سحبتني ليلى لداخل الفيلا، وهناك، في الصالة الواسعة، وجدتُ شخصاً جالساً بظهره لنا، يشاهد شاشات مراقبة تعرض ما يحدث في بيت فوزية هانم الآن.
التف الشخص بكرسيه، وكان الصدمة التي جعلت قلبي يتوقف فعلياً.
كان “وائل”.. لكنه لم يكن وائل الذي تركته منذ قليل في الصالون!
كان يشبهه في كل شيء، لكن نبرة صوته، وهدوء عينيه، والندبة الصغيرة فوق حاجبه التي لم أرها يوماً في زوجي، كانت تقول الحقيقة المرة.
— “أهلاً يا نورا،” قال الرجل بهدوء وهو يقف. “أنا آسف إنك عشتي السنين دي كلها مع “النسخة” الغلط من حياتي.. أنا وائل الحقيقي.. اللي كان المفروض تقابليه من 4 سنين قبل ما يتم خطفي وتبديلي بالأخ التوأم اللي العيلة خبّت وجوده عن العالم كله.”
وقعتُ على ركبتي وأنا أنظر إليه بذهول.. إذا كان هذا وائل الحقيقي.. فمَن هو الأب الذي يحمله ياسين في دمه؟ ومن هو الرجل الذي كان ينام في بيتي طوال تلك السنوات؟
نظر إليّ “وائل” بحزن وأخرج من جيبه قلادة كنت قد أضعتها في أول أسبوع من زواجي، وقال:
— “السر مش بس في مين هو أبو ياسين.. السر في “الوشم” اللي تحت كتف ابني.. الوشم اللي لو شافوه، هيعرفوا إن ياسين مش مجرد طفل.. ده مفتاح الخزنة الدولية اللي العيلة كلها بتحاول تفتحها بالدم.”