صنيه اكل رومانى مكرم2
## الجزء الثالث
الباب الخشبي كان يئن تحت وطأة الضربات، وصوت الشروخ وهي تتسع في الخشب كان يملأ الغرفة المرعبة. تراجعت إلى الخلف حتى التصقت بالتسريحة، ويداي ترتجفان وأنا أمسك بهاتفي الأرضي والخلوي في آنٍ واحد، لكن الخطوط كلها كانت تبدو وكأنها ميتة؛ حتى شبكة الهاتف المحمول اختفت تمامًا وتحولت العلامة إلى “لا توجد شبكة”.
“منى.. افتحي.. شريف مستنيكي برة.. إحنا الاتنين مستنيينك.”
كان الصوت يتلاعب بنبرات مختلفة، تارة يبدو كصوت جوزي تمامًا بنبرته الهادئة التي أحبها، وتارة يتحول إلى فحيح أجش ومضخم يرعش الأبدان.
تذكرت مكالمة شريف الحقيقي الأخيرة. كان يقول إنه في السيارة تحت البيت وغير قادر على الحركة. تملكتني شجاعة مفاجئة مدفوعة بالأدرينالين؛ يجب أن أصل إليه، ويجب أن أخرج من هذه الشقة فورًا. نظرت إلى شباك غرفة النوم، كان يطل على منور واسع موصل بسلم الطوارئ الخلفي للعمارة. كان هذا منفذي الوحيد.
فتحت الشباك ببطء محاولةً عدم إصدار أي صوت. الهواء البارد لفح وجهي، ونظرت لأسفل حيث السلالم الحديدية الممتدة. تسلقت حافة النافذة بقلب يرتجف، وفي اللحظة التي كانت قدمي تطأ أول درجة حديدية، سمعت صوت تحطم مرعب في الغرفة خلفي.
التفت برعب لأجد الباب الخشبي قد انهار تمامًا.
وقف “هو” على عتبة الغرفة. لم يعد يشبه شريف تمامًا؛ كانت أطرافه طويلة بشكل غير طبيعي، وجلده بدا باهتًا ومائلًا للزرقة، وعيناه اتسعتا لتغطيا معظم وجهه ببياض جاحظ بلا نني واضح. نظر إليّ وفتح فمه بابتسامه شقت وجهه حتى أذنيه، وأطلق صرخة حادة ثقبت أذني.
لم أنتظر ثانية واحدة. نزلت السلالم الحديدية ركضًا، أكاد أتعثر ببيجامتي. كنت أسمع خلفي صوت ارتطام جسده الثقيل بالحديد وهو يلاحقني بسرعة مرعبة، كأنه يزحف على جدران المنور وليس على السلالم.
وصلت إلى الطابق الأرضي، ودفعت باب الخروج المؤدي لساحة العمارة الخلفية. ركضت حول المبنى حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي حيث تصطف السيارات. كانت الشمس لم تشرق بالكامل بعد، والشارع هادئًا بشكل يثير الريبة.
بحثت بعيني عن سيارة شريف. كانت هناك، مركونة في مكانها المعتاد تحت شجرة غار كبيرة.
ركضت نحوها وفتحت باب المقعد المجاور للسائق وارتميت في الداخل وأغلقت الباب بسرعة وقفلته.
التفت إلى مقعد السائق، وكان شريف هناك. وجهه كان شاحبًا كالمرتسين، وعيناه غائرتين، وجسده متصلب بالكامل كأنه مشلول، لكنه كان يتنفس بصعوبة ويلتفت إليّ ببطء شديد.
دموعي انهمرت وأنا أمسك بيده المثلجة:
“شريف! شريف رد عليا! إنت كويس؟”
حرك شفتيه بصعوبة بالغة وهمس بصوت واهن كأنه يخرج من بئر عميق:
“مش.. مش قادر أتحرك يا منى.. كأن في خيوط رابطة جسمي.. هو.. هو أكل مكاني.. هو سحب روحي.. وبياكل جسمي بالتدريج.”
نظرت من زجاج السيارة الخلفي برعب..
كان الكيان قد خرج من مدخل العمارة. كان يعيد تشكيل نفسه ببطء ليرتدي ملامح شريف البشرية بالكامل مرة أخرى، يسوي قميصه، ويعدل شعره، ويمشي بخطوات طبيعية جدًا نحو السيارة.
تحسست جيوب شريف بسرعة حتى وجدت مفتاح السيارة. وضعت المفتاح في الكونتاكت وأدرته، فارتعش المحرك واشتغل. لم أكن ماهرة جدًا في القيادة، لكن الخوف يعلم المستحيل. ضغطت على دواسة البنزين بكل قوتي والسيارة انطلقت بقوة مخلّفة وراءها صوت احتكاك الإطارات بالأسفلت.
نظرت في المرآة الخلفية..
كان شريف المزيف واقفًا في منتصف الشارع، يراقب السيارة وهي تبتعد بابتسامته الباردة ذاتها، ولم يحاول حتى الجري خلفنا. كأنه يعلم أننا مهما ابتعدنا.. فالعمل ما زال يربطنا به.
بينما كنت أقود بسرعة وعشوائية في الشوارع، رن هاتفي فجأة داخل السيارة.
لم يكن هناك اسم.. فقط شاشة سوداء ورقم غير معروف.
ترددت، ثم فتحت المكبر وصوت أنفاسي المتسارعة يملأ السيارة.
جاءني صوت مدام كريمة، لكنه لم يكن صراخًا هذه المرة. كان صوتًا هامسًا، مرعوبًا، ومصحوبًا بصوت خربشة شبيهة بتلك التي كانت على باب غرفتي:
“منى.. أنا أسفة.. هو.. هو مش في الشقة عندك دلوقتي.. هو جالي أنا.. هو واقف ورايا.. وبيقولي إن صينية الحاتي لسه فيها بقدونس.. وعايزني آكله..”
وفجأة، انقطع الاتصال بصوت صرخة مكتومة، تلاها صوت مضغ بطيء ومقزز..
## الجزء الرابع
تجمد الدم في عروقي وأنا أستمع لصوت المضغ اللزج والبطيء القادم من سماعة الهاتف، قبل أن ينقطع الخط تمامًا ويسود صمت مرعب داخل السيارة، لم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس شريف الضعيفة والنهج المتسارع لصدري.
التفتّ إلى شريف. كان رأسه يميل ببطء نحو النافذة الزجاجية، وعيناه غائرتين تحوطهما هالات سوداء تزداد عمقًا وسوادًا مع كل دقيقة تمر. همست وصوتي يرتجف:
“شريف.. ارجوك خليك معايا.. ما تغمضش عينك.”
تحركت شفتيه بصعوبة بالغة، وكأن الكلام يتطلب منه قوة خارقة:
“الخيوط.. الخيوط بتتسحب يا منى.. أنا حاسس.. حاسس إنه بياكل ملامحي.. روحي بتتسحب لبيتها..”
بيتها!
كلمة شريف رنت في عقلي كجرس إنذار. مدام كريمة قالت لي قبل أن يحل بها ما حل، إنها ذهبت إلى دجال في المقابر.. المقابر هي منبع هذا الدنس، وهناك يكمن السر لإبطال هذا الكابوس أو على الأقل قطع الخيوط التي تسحب روح زوجي بالتدريج وتغذي ذلك المسخ.
انحرفت بالسيارة بقوة نحو الطريق الدائري متجهة إلى منطقة المقابر القديمة بـ “أبو رواش” التي أعرف أن حماتي تتردد على دجال هناك يُدعى “الشيخ عبد الحميد”، لطالما سمعتها تهمس باسمه مع جاراتها في جلسات النميمة.
كانت شوارع القاهرة في هذا الوقت من الصباح الباكر تبدو باهتة، كأنها مغسولة بماء رمادي. كنت أقود بسرعة جنونية، أتخطى السيارات بعشوائية وأنا أراقب شريف في المقعد المجاور. بدأت ألاحظ شيئًا مرعبًا؛ جلد يده بدأ يتقشر ببطء، وتظهر من تحته طبقة جافة رمادية تشبه تمامًا جلد ذلك الكيان الذي رأيته في الشقة!
الخادم لا يأخذ ملامحه فقط.. الخادم يستبدل خلاياه بخلايا شريف الحقيقي، وإذا اكتمل التحول، سيموت شريف ويتحول جثمانه إلى مجرد قشرة فارغة للكيان.
وصلت إلى مشارف المقابر. كانت المنطقة هادئة هدوء الموت، شواهد القبور ممتدة بلا نهاية تحت ضباب الصباح الخفيف. أوقفت السيارة بعنف أمام البوابة الحديدية للمدافن القديمة. ترجلت من السيارة وجريت إلى الباب الآخر، فتحته وحاولت سحب شريف، لكن جسده كان ثقيلًا للغاية وكأنه مصنوع من رصاص.
“شريف.. حاول تقف معايا.. ارجوك.. خطوة واحدة!”
بأعجوبة، وبقوة نابعة من غريزة البقاء، استند عليّ بكل ثقله. كنا نترنح بين الممرات الضيقة للمقابر، وصوت خطواتنا يتردد صداه بين الجدران الصامتة. لم أكن أعلم أين يقع بيت ذلك الدجال تحديدًا، لكن رائحة بخور خانقة ونفاذة بدأت تقودنا تلقائيًا نحو ممر جانبي ينتهي بغرفة طينية صغيرة ملحقة بسور المقبرة الخلفي.
دفعت الباب الخشبي المتهالك للغرفة بركبتي وأنا أجر شريف.
كانت الغرفة مظلمة، تشتعل في زواياها شموع حمراء غريبة، وتنبعث منها رائحة دم جاف وبخور رديء. وفي المنتصف، كان يجلس رجل عجوز ذو لحية بيضاء كثة وعينين مشوهتين، يرتدي جلبابًا متسخًا ويمسك بمجمرة يلقي فيها ببعض الأعشاب.
نظر إلينا ولم يبدُ عليه المفاجأة، بل ابتسم ابتسامة صفراء أظهرت بقايا أسنانه وقال بنبرة باردة:
“كريمة الشهاوي بعتت الأكل لغير صاحبه.. مش كده؟”
صرخت فيه وأنا أطرح شريف على الأرضية الترابية للغرفة:
“الحقنا! شريف بيموت! الكيان ده أكل أمه وواقف برة شقتنا وعايز يخلص علينا.. اعمل أي حاجة ورجع جوزي!”
ضحك العجوز ضحكة جافة كحفيف أوراق شجر ميتة وقال:
“يرجع؟ خادم العمل السفلي إذا داق الدم البشري وتلبس الصورة ما بيرجعش يا بنتي. ده مش جن عادي.. ده ‘القرين المستبدل’. هو دلوقتي بياكل أصول شريف.. ملامحه، ذكرياته، صوته. ولما يخلص.. شريف اللي قدامك ده هيبقى تراب، والتاني هيبقى هو شريف الحقيقي وسط الناس.. ومفيش مخلوق هيقدر يكتشفه.”
سقطت على ركبتي بجانب شريف، دموعي تختلط بالتراب:
“أكيد في طريقة.. إنت اللي عملت العمل ده.. إنت اللي بعته!”
وقف الدجال واقترب من شريف، نظر إلى يده المقشرة وتنهد:
“الطريقة الوحيدة لقطع الخيط هي إننا نحرق ‘الأصل’.. المادة اللي اتصنع منها العمل. صينية الحاتي الفويل.. لازم تتحرق بالكامل بـ ‘مية طاهرة’ ونار من أثر الشخص نفسه. بس لازم تلحقوا.. لأن التاني مش هيسيبكم تقطعوا الخيط.”
وفجأة.. هبت عاصفة هوائية شديدة داخل الغرفة الطينية المغلقة. انطفأت الشموع الحمراء دفعة واحدة، وتساقطت الأواني الفخارية على الأرض لتتحطم.
ومن عتمة الممر الخارجي للمقابر.. تناهى إلينا صوت خطوات هادئة ومألوفة للغاية.
خطوات حذاء شريف.. وهي تقترب ببطء وثبات..