بقلم ندا الجمل

أنا زوجة تانية… لكن عمري ما تخيلت إن ضيق الحال هيخليني أعيش تحت سقف واحد مع الزوجه الأولى.
دخلت بيتها على إني “مرات صاحب جوزها”، لكن في ليلة واحدة انكشف السر، واتقلبت حياتنا كلنا.
واللي حصل بعد كده… عمره ما كان هييجي على بال حد..
اسمي سمر… وأنا الزوجة التانية.
ناس كتير أول ما تسمع الكلمة دي تحكم عليا من غير ما تعرف حكايتي، لكن الحقيقة إن اللي حصلي عمره ما جه على بالي.
لما اتجوزت أحمد، كان عنده بيت تاني عايش فيه مع مراته الأولى، أميرة، وولاده التلاتة: عمر، وملك، ويوسف. من البداية كان موفرلي شقة صغيرة، وكان بيقسم وقته بينا، والحياة كانت ماشية على قد الحال.
مكنتش بحلم بقصور ولا فلوس كتير، كل اللي كنت عايزاه إني أعيش في هدوء مع الراجل اللي اخترته.
لكن في يوم وليلة، كل حاجة اتغيرت.
الشركة اللي كان شغال فيها قفلت، وقعد شهور يدور على شغل من غير فايدة. الفلوس اللي كانت متحوشة خلصت، والإيجار اتأخر، وبقينا نحسب كل جنيه قبل ما نصرفه.
في ليلة، لقيته قاعد ساكت، وباصص في الأرض.
قولتله: “مالك يا أحمد؟”
رد وهو بيتنهد: “أنا مش عارف هنعمل إيه.”
فضل ساكت شوية، وبعدين رفع عينه وقال: “عندي حل… بس خايف ترفضي.”
ابتسمت وقلت: “قول.”
قال بصوت واطي: “تعالي تعيشي معايا في بيت أميرة.”
افتكرت إنه بيهزر.
ضحكت وقلت: “يعني إيه؟”
قال: “مش قادر أفتح بيتين دلوقتي، ومش قادر أدفع إيجار شقتك. لو فضلنا كده هنضيع كلنا.”
بصيتله بعدم استيعاب وقلت: “وأدخل بيتها أقولها إيه؟ أنا بالنسبة لها مين؟”
قال: “هقولها إنك مرات واحد صاحبي، وحصل بينكم خلاف كبير، ومفيش مكان تروحي له، وهتقعدي كام يوم لحد ما الأمور تهدى.”
اتصدمت من الفكرة.
قولتله: “يعني هنكدب عليها؟”
قال وهو باين عليه الإحراج: “والله مش لاقي حل تاني.”
قعدت طول الليل أفكر.
كرامتي كانت بتوجعني، لكن الحقيقة كانت أصعب.
معاياش مكان أروحله، وهو فعلًا مش قادر يستحمل مصاريف بيتين.
وفي الآخر وافقت… وأنا قلبي مقبوض.
تاني يوم، أخدني معاه.
طول الطريق كنت حاسة إن رجلي مش شايلاني.
وقفنا قدام العمارة، وبعدين طلعنا للشقة.
أميرة فتحت الباب.
كانت ست هادية، أول ما شافتني استغربت، لكن أحمد ابتدى يحكيلها القصة اللي اتفقنا عليها.
قالها: “دي سمر… مرات واحد صاحبي. حصل بينها وبين جوزها مشكلة كبيرة، ومفيش حد تقعد عنده، فقولت تيجي عندنا يومين تلاتة لحد ما الأمور تهدى.”
فضلت أميرة باصة لي شوية، وبعدها قالت وهي باين عليها عدم الارتياح: “أنا مش مرتاحة للموضوع… بس طالما كام يوم، ماشي.”
دخلت البيت وأنا حاسة إني داخلة مكان مش مكاني.
كل ركن فيه كان بيقول إنها صاحبة البيت، وأنا مجرد ضيفة تقيلة.
عدى أول يوم، وبعدين التاني.
وفي الليلة التالتة، وأنا نايمة، سمعت خبط خفيف على باب أوضتي.
قمت فتحت، لقيت أحمد واقف قدامي.
قولتله بخضة: “إنت بتعمل إيه؟ لو أميرة شافتك هتبقى مصيبة.”
لسه بكلمه وأقوله يمشي.. قالى انتى وحشتينى وقرب
وفجأة سمعنا صوت باب الاوضة بيتفتح……
اتجمد الدم في عروقي.
أنا وأحمد بصينا لبعض، وهو فهم من نظرة عيني إن الكارثة وقعت.
في ثواني، باب الأوضة اتفتح، ولقيت أميرة واقفة قدامنا، باصة لأحمد، وبعدين بصتلي، ورجعت بصتله تاني.
قالت بصوت كله غضب: “إنت بتعمل إيه في أوضتها في نص الليل؟”
أحمد حاول يتكلم، لكنها قاطعته: “متكدبش عليا… فهمني إيه اللي بيحصل!”
وقفت أنا ساكتة، مش قادرة أنطق ولا حرف.
أحمد أخد نفس طويل وقال: “اهدي يا أميرة… أنا هقولك الحقيقة.”
صرخت فيه: “حقيقة إيه؟”
قال وهو باصص في الأرض: “سمر… مراتي.”
أميرة افتكرت إنه بيهزر، وضحكت ضحكة كلها وجع، وقالت: “مراتك؟! يعني إيه مراتك؟”
قال: “مراتي على سنة الله ورسوله.”
ساعتها حسيت إن البيت كله سكت.
أميرة قعدت على الكنبة وهي مش مستوعبة اللي سمعته.
فضل أحمد يحكيلها كل حاجة… إزاي اتجوزني من سنة، وإزاي كان فاتح بيتين، وإزاي شغله وقف، والفلوس خلصت، ومبقاش قادر يصرف على بيتين، وإنه خاف يقولها الحقيقة من الأول لأنها أكيد كانت هترفض.
أميرة كانت بتسمع وهي دموعها نازلة من غير كلام.
وبعد ما خلص، بصتلي وقالت: “إنتي كنتي عارفة إنه متجوز؟”
هزيت راسي وقلت: “أيوه.”
قالت: “ورضيتي تدخلي بيتي وتكدبوا عليا؟”
رديت وأنا دموعي بتنزل: “والله ما كنت عايزة أعمل كده… بس ماكانش قدامنا حل.”
قامت وقفت وقالت لأحمد: “أنا عمري ما هسامحك على الكدبة دي.”
دخلت أوضتها وقفلت الباب، وفضلنا سامعين صوت عياطها لحد الصبح.
تاني يوم، محدش اتكلم.
كل واحد كان قاعد في ناحية.
وقبل الضهر، خرجت أميرة وقالت: “أنا فكرت كتير… ولو خرجت سمر من البيت دلوقتي، هتبقى في الشارع، وأنا مرضاش ربنا يحاسبني على كده.”
بصتلها وأنا مش مصدقة.
كملت كلامها وقالت: “هتعيش معانا… لكن كل واحد يعرف حدوده.”
وافقت من غير ما أتكلم.
ومن اليوم ده، بدأت حياة جديدة… بس عمرها ما كانت حياة زوجة.
كنت أول واحدة تصحى من النوم.
أقوم أحضر الفطار، وأصحّي عمر وملك ويوسف، وألبسهم، وأجهز شنط المدرسة، وأسرح شعر ملك، وأتأكد إن كل واحد خد حاجته.
وبعد ما ينزلوا، أرجع أغسل المواعين، وأنضف الشقة، وأغسل الهدوم، وأعلقها، وأحضر الغدا، وأروق البيت كله.
وبالليل، أقعد أذاكر للعيال، وأسمع لهم حفظهم، وأحضر لهم شنطهم لليوم اللي بعده.
أما أميرة، فكانت شايفة إن ده الطبيعي.
كانت صاحبة البيت، وأنا اللي شايلة أغلب المسؤولية.
يمكن ناس كتير تقول إني كنت ضعيفة…
لكن الحقيقة إني كنت بعمل كل ده وأنا راضية.
لأن قلبي كان متعلق بالأولاد.
أنا مبخلفش.
وده كان السبب اللي خلّى جوازي الأول ينتهي بالطلاق.
سنين وأنا بحلم أسمع طفل يناديني “يا ماما”، لكن الحلم ده ما اتحققش.
ولما عشت مع عمر وملك ويوسف، حسيت لأول مرة إن البيت فيه روح.
بقيت أفرح لما عمر يطلب مني أراجعه قبل الامتحان.
وأضحك وأنا بسرح شعر ملك قبل المدرسة.
وأحضن يوسف لما يصحى من النوم يجري عليا وهو لسه مغمض.
ومع الأيام، الأولاد اتعلقوا بيا بشكل كبير.
بقوا أول ما يرجعوا من المدرسة يجروا على أوضتي قبل حتى ما يسلموا على أمهم.
وده كان بداية مشكلة جديدة…
لأن أميرة بدأت تلاحظ إن ولادها بقوا يقضوا وقتهم معايا أكتر منها… وإن كلمة “طنط سمر” بقت على لسانهم طول اليوم.
ومن اليوم ده… نظراتها ليا اتغيرت، وحسيت إن العاصفة الحقيقية لسه ما بدأتش.
في الأول، أميرة كانت بتحاول تخبي اللي جواها.
كل ما تلاقي عمر أو ملك أو يوسف قاعدين معايا، تنده عليهم بحجة إن عندهم حاجة يعملوها.
ولو يوسف جه حضني، تقوله: “سيب طنط سمر… عندها شغل.”
لكن يوسف كان طفل صغير، ومكنش فاهم حاجة.
كان أول ما يصحى من النوم ييجي يجري على أوضتي، يخبط على الباب ويقول: “طنط سمر… جعان.”
أقوم أضحك وأحضنه وأدخله المطبخ أحضرله الفطار.
وبقيت مع الأيام أعرف كل حاجة عنهم.
عمر بيحب الكورة، وبيكره الرياضيات.
ملك بتحب الرسم، وكانت بتحلم تبقى دكتورة.
ويوسف مكنش بينام غير لما أحكيله حكاية.
يمكن علشان كده حبوني بسرعة.
أما أحمد، فكان شايف كل اللي بيحصل، لكنه مكنش بيتدخل.
كان بيقول: “سيبي الأمور تمشي لوحدها.”
لكن الأمور عمرها ما كانت بتمشي لوحدها.
في يوم، وأنا بذاكر لملك، سمعتها بتقول من غير قصد: “يا ريتك إنتي ماما.”
الكلمة وقعت على قلبي وفي نفس الوقت خوفتني.
قولتلها بسرعة: “لا يا حبيبتي… مامتك هي أميرة، ومحدش يقدر ياخد مكانها.”
هزت راسها وقالت: “بس إنتي بتلعبي معايا، وبتذاكريلي، وبتحضنيني.”
ابتسمت بالعافية وغيرت الموضوع.
ماكنتش أعرف إن أميرة كانت واقفة برا الأوضة… وسمعت كل كلمة.
من اليوم ده، معاملتها ليا اتغيرت تمامًا.
بقت تطلب مني كل حاجة.
“سمر… اغسلي البلكونة.”
“سمر… اكوي هدوم أحمد.”
“سمر… انزلي هاتي الطلبات.”
“سمر… اعملي شاي.”
كنت بنفذ من غير ما أتكلم.
أقول يمكن موجوعة… ويمكن لسه مش قادرة تتقبل وجودي.
لكن الطلبات كانت بتزيد كل يوم.
لحد ما بقت تصحيني الفجر علشان أعجن العيش قبل ما العيال يصحوا.
وأوقات كانت تدخل أوضتي بالليل تقولي: “المواعين في الحوض… اغسليها قبل ما تنامي.”
وأنا كنت بسكت.
أحمد كان بيشوف، ولما أكلمه يقولي: “استحملي شوية يا سمر… إحنا في ضيق، وربنا هيفرجها.”
كنت أصدق كلامه كل مرة.
وفي يوم، رجع يوسف من المدرسة سخن جدًا.
أميرة كانت خارجة مع واحدة صاحبتها.
فضلت قاعدة جنبه أحطله كمادات، وأكلمه الدكتور، وأجيبله العلاج، وفضلت صاحيه طول الليل.
تاني يوم الصبح، أول ما أميرة دخلت، يوسف أول ما شافها قال: “أنا خفيت علشان طنط سمر فضلت جنبي.”
بدل ما تفرح إن ابنها بقى كويس…
بصتلي بنظرة عمري ما هنساها.
نظرة كلها غيرة ووجع.
وفي نفس الليلة، سمعتها وهي بتقول لأحمد بصوت واطي، لكنها كانت عارفة إني سامعاهم:
“أنا مبقتش مستحملة وجودها في البيت.”
أحمد قال: “تعملي إيه يعني؟”
ردت: “يا هي… يا أنا.”
وساعتها عرفت إن الأيام الجاية مش هتكون سهلة أبدًا… وإن أول اختبار حقيقي لوجودي في البيت لسه هيبدأ.
أول ما سمعت أميرة بتقول لأحمد: “يا هي… يا أنا”، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
ماكنتش عايزة أبقى سبب في خراب بيت، ولا كنت مستحملة فكرة إن أحمد يطلقني أو يسيبني.
تاني يوم الصبح، قومت كعادتي قبل الكل. حضرت الفطار، وجهزت العيال، لكن الجو في البيت كان متوتر بشكل يخوف.
أميرة كانت بتكلمني بالحد الأدنى، وأحمد ساكت، والعيال مش فاهمين في إيه.
بعد ما العيال نزلوا المدرسة، أميرة قالت: “عايزاكي في الصالون.”
قعدت قدامها وأنا مستنية تسمعني قرارها.
قالت وهي باصة في الأرض: “أنا عمري ما كنت أتخيل إن يبقى ليا ضرة. اللي عمله أحمد وجعني، بس خلاص… ده أمر واقع. لكن في حاجة مش هقبلها.”
قولتلها: “قولي.”
قالت: “ولادي.”
سكتت شوية وكملت: “أنا حاسة إنهم بقوا متعلقين بيكي أكتر مني.”
رديت بسرعة: “والله ده عمره ما كان قصدي. أنا بحبهم بس.”
قالت: “من النهارده، متذاكريش لهم، ومتناميش يوسف في حضنك، ومتدخليش بينهم وبيني.”
هزيت راسي وقلت: “حاضر.”
نفذت كل اللي طلبته.
لكن الأطفال هما اللي رفضوا.
يوسف بقى يعيط كل ليلة ويقول: “أنا عايز طنط سمر هي اللي تحكيلي الحدوتة.”
وملك كانت تدخل المطبخ تساعدني من غير ما حد يطلب منها.
أما عمر، فبقى يستناني كل يوم بعد المدرسة علشان أحل معاه الواجب.
أميرة كانت كل ما تشوف ده، تضايق أكتر.
وفي يوم، حصل موقف قلب البيت كله.
كنت واقفة بعمل الغدا، ويوسف كان بيلعب في الصالة.
فجأة سمعنا صوت خبطة جامدة وصريخ.
جريت لقيته واقع على الأرض، والدم نازل من جنبه بعد ما خبط في طرف الترابيزة.
من غير ما أفكر، شلته وجريت بيه على أقرب مستشفى.
أحمد كان في الشغل، وأميرة كانت برا البيت وموبايلها مقفول.
الدكتور دخل يوسف العمليات الصغيرة علشان يوقف النزيف ويخيط الجرح.
كنت واقفة برا الأوضة برتعش، وكل اللي بفكر فيه إن الولد يقوم بالسلامة.
بعد حوالي ساعة، وصلت أميرة وهي منهارة.
أول ما شافتني، جريت عليا وسألت: “يوسف عامل إيه؟”
قولتلها وأنا بعيط: “الحمد لله… بقى كويس.”
الدكتور خرج بعدها بدقايق وقال: “لو الطفل كان اتأخر عشر دقايق كمان، كان فقد دم كتير.”
أميرة بصتلي لأول مرة من غير غضب.
وقالت بصوت مكسور: “إنتي اللي أنقذتي ابني.”
ماعرفتش أرد.
حضنت يوسف أول ما خرج، وبعدها بصتلي وقالت: “شكرًا.”
كانت أول مرة تقولها ليا من يوم دخلت البيت.
افتكرت إن كل حاجة هتتغير بعد الموقف ده…
لكن ماكنتش أعرف إن اللي هيقلب حياتنا كلها، كان مستنينا بعد أسبوع واحد بس…
لما أميرة تعبت فجأة، والدكتور قال جملة محدش فينا كان مستعد يسمعها.
يتبع……..
بقلم ندى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *